صحيفة يومية سياسية تصدر عن مؤسسة تشرين للصحافة والنشر ـ دمشق ـ سورية
تم آخر تحديث في الساعة: 09:18:26 من يوم: 21/03/2005 [-5 س بتوقيت غرينتش]
تحتجب "تشرين" عن الصدور غدا الخميس وتعود لقرائها الكرام يوم السبت كالمعتاد        
طباعةإرسال المادة الحالية بالبريدحفظ إضافة تعليق على المادة

وليد قنباز.. وحديث الذكريات

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاثنين 21 آذار 2005
د.موفق أبو طوق
على الرغم من أن رحيله لم يكن ـ في لغة الطب ـ مفاجئاً، فهو منذ سنوات مُقحم في صراع مرير مع المرض العضال الذي هاجم جسده.. إلا أن للموت صدمته، وللفراق لوعته، وللوداع هزّته وحرقته!..

رحمك الله يا أبا بشار.. لقد غادرتنا والمرض المنتصر يتغلغل في جسمك.. يغزوك شبراً شبراً، ويقتلك جزءاً جزءاً، قَتَلَ مشيك، ثم قتل حركتك، ثم قتل كفّك وقلمك، ثم قتل نطقك ولسانك، ثم قتل ملامحك وتعابير وجهك.. ولكنّ أموراً أخرى، أبقاها على قيد الحياة، أبقى فكرك حياً، ومشاعرك حية، وعواطفك حية، وذكرياتك حيّة!!. ‏

ہ غادرتنا.. وأنت تفكر كما نفكر نحن، وتتألم كما نتألم نحن، بل تحبّ وتكره كما نحب ونكره نحن.. ولكن الفارق بيننا وبينك، أنك قد فقدت قدرة النطق، وملكة التعبير..

وأنت الذي كنت الأقدر على التعبير عما يجيش في صدره، والأجدر بالإفصاح عن أفكاره ومشاعره وعواطفه أمام الآخرين.. أجل، فلسانك الفصيح، ولغتك المتينة، وصوتك الجهوري، وقلمك السيال.. هي الصفات التي عرفت عنك، والخصائص التي التصقت بشخصيتك، منذ أن عرفناك أديباً كبيراً في مدينتنا حماة، ومنذ أن أدركنا ـ ونحن في طور الشباب ـ صولاتك وجولاتك من على منابرها الثقافية!.. ‏

غادرتنا ونحن نذكر التزامك بالقعود الإجباري في البيت، ونذكر المراحل المرضية التي بدأت فيها صعوبة التواصل الصوتي مع زوارك وضيوفك، وصعوبة الإمساك بالقلم وتدوين ما تشاء من أفكار وخطرات.. نذكر وقتئذ إصرارك على أن ذاكرتك الفذّة، تتمتع بقوتها ونقاوتها، وأن بإمكانك استرجاع الكثير من المواقف الأدبية والوقائع الثقافية التي مرّ على حدوثها عشرات السنين، تسترجعها بدقة بالغة، وحرفيّة مثيرة للدهشة، قد لا يستطيع أحدنا أن يمتكلها حتى مع حوادث أقرب زمناً، وأعظم شأناً، وأجدر اهتماماً، وأوثق ارتباطاً والتصاقاً بالواقع المعيش!.. ‏

ہ إنني أذكر إحدى زياراتي لك يوم أحببت أن تسرد أمامي ذكرياتك عن الشاعر الراحل الدكتور وجيه البارودي، وأنت بهذه الذكريات أردتَ أن تؤكد لي بأن الشاعر البارودي كان يقرض الشعر بعفوية وطلاقة، فالشعر في نظرك، وكما كنت تقول لي دائماً، هو انفعال لا افتعال، والشاعر الحقيقي هو الذي يعبّر عن مشاعره الجياشة بسلاسة ومن دون تكلف.. ‏

لقد كنت تعتبر الشاعر البارودي، في مقدمة هؤلاء الشعراء الحقيقيين، وكي تؤكد لي هذا الأمر طلبت مني أن أدوّن حادثتين حدثتا منذ أكثر من أربعين عاماً، وتتعلقان بهذه الفكرة التي تريد تأكيدها.. وعندما جيء بالورقة والقلم، ووضعا بين يديّ.. أحسست بحرج بالغ، فأنا بالكاد أفهم ماتحدثني به، وهناك الكثير من الكلمات التي تنطقها وتضيع عليّ.. فلم أجد بداً من الاستنجاد بولدك الغالي تمام.. وقد لبى تمام طلبي، وجلس بجانبك يعينني في ترجمة بعض الكلمات التي لم أستطع التقاطها، واقتربت بأذني من فمك أكثر فأكثر، وأنا أتابع تعابير وجهك وحركات شفتيك ولسانك، كي أتمكن من تسجيل الحديث كاملاً، والذي أمليته علي باللغة العربية الفصحى.. ‏

ہ الحادثتان كما رويتهما: (الحادثة الأولى جرت في عام 1960.. لما كانت عُمان تسعى لاستقلالها، كان في المركز الثقافي العربي في حماة ـ في عهد الوحدة ـ مرشد ثقافي مصري اسمه: عبد الرافع بسيوني، وكان أديباً لامعاً، فبعث إلى الأدباء والشعراء في مدينة حماة، بأن عليهم أن يوجهوا أدبهم وشعرهم لمعركة عمان والجبل الأخضر، واستجاب الشعراء الحمويون والأدباء إلى هذه الدعوة، ولكن وجيه البارودي أجابه: أنا لستُ (حذّاءً) وإنما أنا شاعر!... وكان بإمكانك لو كنتُ «كندرجياً» أن تطلب رقم الحذاء ولونه، ولكنني شاعر لا أقبل أن يملي عليّ أحد ما ينبغي أن أقوله...). ‏

(أما الحادثة الثانية ـ والتي رويتها عن الدكتور وجيه البارودي أيضاً ـ فقد جرت بالفعل قبل أكثر من أربعين سنة، حين توفي أحد أبناء عمومة الدكتور وجيه، وجاء شقيق المتوفى وقال له: «التحجيرة» شارفت على الانتهاء، وينبغي عليك أن تكتب لنا أبياتاً شعرية لكي أضعها على «التحجيرة».. وقد طلب منه وجيه أن يمهله ثلاثة أيام، وعندما أزف الموعد، جاءه ليرى الأبيات التي صاغها في ابن عمه، ولكن وجيهاً طلب إمهاله يوماً آخر، وفي اليوم التالي جاء ابن عمه مرة أخرى، فوجده منهمكاً في عمله الطبي، وبعد أن انتهى من المعاينة لعشرات المرضى، استنجزه الوعد، فمد يده إلى درجه، وناوله ورقة تحتوي على ثلاثة أبيات شعرية هي كالتالي: ‏

تكلفني حزناً ونفسي طروبة فروحي تأبه وأنتَ تريدُ ‏

وهل يألفُ الأحزانَ من كان عاشقاً تجود له أحبابهُ ويجودُ ‏

فلا ترجُ مني وصف حزن لأنني طروب وعهدي بالبكاء بعيدُ ‏

فما كان من ابن عمه إلا أن مزق تلك الورقة، ولكنّ ذاكرة الدكتور وجيه التقطت واستظهرت هذه الأبيات، التي تدل كسابقتها على أن الدكتور وجيه البارودي شاعر وجداني، يترجم ما في أحاسيسه ومشاعره، وما يعتلج في قرارة نفسه، ويرفض كلّ الرفض ما يملى عليه، من أية جهة كانت!). ‏

وقد عقبت على الحادثة الثانية بعد أن رويتها لي، بأنك منذ ذلك الزمن البعيد، وأنت تحفظ هذه الأبيات التي قرأها لك الدكتور وجيه، وأنها مازالت راسخة في ذاكرتك التي تعتّد بها!. ‏

ہہہ ‏

ہ وبعد.. فقد أوصيتني أن أنشر هاتين الحادثتين في مقالة خاصة، أكتبها بالكيفية التي أختارها، وهأنذا قد فعلت.. ‏

لقد نقلت هاتين الحادثتين نقلاً شبه حرفي عنك، ولم تتعرض إلا لبعض التعديلات الطفيفة من قبلي، تماشياً مع بعض مقتضيات القصّ الفني، وأنت ـ على ما يبدو ـ لم تنشرهما سابقاً، ولم تذكرهما في مقدمة ديوان وجيه الشعري (سيّد العشاق) التي كتبتها أنت، والتي أسهبت ـ من خلالها ـ في الحديث عن شخصية وجيه وأسلوبه الأدبي. ‏

بقي أن أقول: كان هذا آخر لقاء أسمع فيه صوتك، ففي اللقاء الذي تلاه كنت قد فقدته تماماً.. أثابك الله على صبرك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ‏

 

 

E - mail: daily@teshreen.com

سورية ـ دمشق ـ كورنيش الميدان ـ هاتف : 2 / 1 / 2131100 ـ فاكس: 2246860